أفكار وآراء

لماذا تحارب «الحكومة الخفية» نظام الخلافة؟

ليس القصد هنا المسخ الذي أقامه تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وحوّله إلى مفهوم مرتبط بالرعب والإرهاب والجنون والخرافات بل هو نظام سياسي استلهمه الغرب!

بقلم: حلمي الأسمر

لا نكاد نرى من حجم الجسم الذي يحكم العالم إلا ما يبدو من جبل الجليد، فثمّة حكومة خفية تحكم العالم، وثمّة حكومات خفية في كل بلد تحكمه وترسم أقداره، وكل من يشذ عن هذا الحكم الخفي أو يقاومه، يتم سحقه بلا رحمة.

ثمّة تحالف من قوى جبارة، تجمعها مصالح متآلفة بعضها مع بعض، ترسم سياسات الكرة الأرضية، وتوزّع المهام على حكومات أصغر منها. وفي الأثناء، تنشأ حكومات ظل متماهية مع الحكومة الكبرى، تعمل خارج القوانين الدولية والمحلية.

فهي لها قوانينها، وقوتها الضاربة، ومختبر إنتاج مصطلحاتها، ولها أسلحتها الخفية والظاهرة، تحارب أعداءها مرةً بتهمة الإرهاب أو التطرّف، وأخرى بوصف دولة ما بأنها “مارقة”، وتمتلك الحكومة الخفية الكونية آلة إعلام ضخمة، قادرة على قلب الحقائق وإنتاج “حقائق” جديدة، تسوس بها الدول والجماهير.

وهي قادرةٌ على الحشد والتعبئة والتنظيم وتسيير الجيوش وشن الحروب، باعتبارها القوة الضاربة لتطبيق القانون الدولي (!) وحماية البشرية، وإعادة الدول والشعوب إلى حظيرة الطاعة!

تحتاج هذه الصورة الكلية المكثفة تبسيطا وشرحا طويلا، وجلب تطبيقات حدثت على أرض الواقع، لا يتسع لها مقامٌ كهذا. ولكن في الوسع استحضار ما حدث في منطقتنا العربية لتقريب الصورة، بعد أن نعرف أن كيان العدو الصهيوني الغاصب، المقام على أرض فلسطين، هو أحد أكثر تجليات حكومة العالم الخفية ومنجزاتها.

فهذا الكيان يقع في صلب استراتيجية السيطرة على العالم، وهو على نحو أو آخر شريك رئيس في صناعة الحدث العالمي، وأحد أهم أدوات الحكومة الكونية للسيطرة على الأمتين، العربية والإسلامية، وإبقائها في حالة “سيولة” وميوعة حضارية، تعيش على هامش الحدث، بل يصبح جسدها موضوع الحدث وساحته.

ومن أجل هذا الهدف الكبير، كان على “حكماء” حكومة العالم الخفية وكهانها إنجاز عدة مهام، للوصول إلى هذا الهدف، وفي مقدمة أجندات هؤلاء: القضاء على الخلافة، ثم شيطنتها وإعادة إنتاج المصطلح للتنفير منه وتشويهه.

مع أن الاتحاد الأوروبي في كنهه هو دولة خلافة على الطريقة الغربية، كما هي أميركا، دولة خلافة على الطريقة الأميركية، مجموعة كيانات تنضوي تحت حكم مركزي أو شكل ما من الاتحاد.

إذ لا يختلف مفهوم دولة الخلافة كثيرا عما هو قائم في أوروبا وأميركا، فلم يصاب بعضهم بمسٍّ من الجنون، حين نتحدث في الشرق عن دولة الخلافة الخاصة بنا؟ أهي حلال عليهم حرام علينا؟

ليس الحديث هنا عن المسخ الذي أقامه تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وحوّله إلى مفهوم مرتبط بالرعب والإرهاب والجنون والخرافات أيضا، بل عن نظام سياسي استلهمه الغرب.

يقول الكاتب حلمي محمد القاعود إن الخلافة، بمنطق التاريخ ومنطق أيامنا، تعني الوحدة تحت راية واحدة تحقق التكامل الاقتصادي والسياسي والعسكري، وقد استطاع الغرب، بعد أن ودع الهمجية بين شعوبه، أن يصل إلى آليات تحقق التفاهم فيما بينها، والسلام بين دولها، والتقدم في المجالات العلمية والصناعية والاجتماعية وحركة التواصل في الموانئ والمطارات والحدود.

لقد بدأ الغرب الاستعماري عمله لتحقيق الخلافة الأوروبية، عقب قيام جامعة الدول العربية بنحو عشر سنوات، فحقق الوحدة الاقتصادية عن طريق السوق المشتركة، ووصل، في نهايات القرن العشرين، إلى “الاتحاد الأوروبي” الذي يتكون من جميع الدول الأوروبية تقريباً عدا تركيا وكوسوفو ودول قليلة، وله برلمان موحد ومفوضية أو حكومة موحدة.

ويضيف، في مقال له في مجلة المجتمع الكويتية، أن الخلافة الأوروبية حقيقة قائمة اليوم، لا يستنكرها أحد، ولا يهجوها أحد، ولا يدّعي عليها أحد بما ليس فيها، مثلما يفعل خدام الغرب في بلادنا.

وأظن أن المسلمين والمصريين، في أغلبهم، يتمنون لو أقيمت خلافة إسلامية راشدة على غرار النمط الأوروبي الراهن، لتحقق التكامل فيما بينهم، وتحميهم”.

وكما هو شأن الأمم الأوروبية، كان شأن الأمة الأميركية، فقد اجتمعت بولاياتها الخمسين على بناء نظام حكم سياسي، أشبه ما يكون بالخلافة، مع فرق في بعض التفاصيل، لكن كنه النظام هو هو، كما في نظام الخلافة الإسلامي!

لا يُنكر أن الألف وأربعمائة عام التي حكمنا بها نظام الخلافة لم تكن على سوية واحدة، فقد شابتها سلبيات وإخفاقات كثيرة. ولكن، في الوقت نفسه، لم نكن أمةً على هامش التاريخ، بل كنا صنّاعه وسادته، وسدنته، وقدّمنا للبشرية أفضل ما عندنا، من علوم وآداب وفلسفة وقيم وتنوير.

والأهم أننا لم نكن تبعا لأحد، حتى لو ظلم بعضنا بعضنا الآخر، ونكّل به، إلا أننا كنا مهابي الجانب، وحتى تلك الغزوات الشرسة التي تعرّضنا لها من الخارج، كنا نتصدى لها بكل رجولة وببسالة، فدفنا الغزاة في أرضنا.

بل امتد نفوذنا إلى أصقاع الأرض، وتركنا في كل مكان وصلنا إليه بصمةً حضارية وأثرا مدنيا فلم نكن غزاةً متوحشين، أو مستعمرين، شأن من ورثونا في قيادة العالم، وحكومته الخفية، ولم نرتكب ما ارتكبوه من مجازر وفظاعات، ولم نفرض على العالم نظاما اقتصاديا وسياسيا ظالما، يكاد يدمر ما بقي من خير على وجه الأرض.

ولهذا كله، ما أن يذكر لفظ الخلافة حتى يصاب بعضهم بمسٍّ من الجنون، فيبدأ بشيطنتها وإلحاقها بالخرافات، والأوهام. وكيف لا، وهي الكابوس الذي يزورهم في مناماتهم، حتى ونحن الآن نلهث في ذيل القافلة، ما يثبت أن جذوتها لم تزل تشتعل، وإن كانت تحت طبقاتٍ سميكة من الوحل والرماد والتراب.

ما يجري في بلادنا من أزمات طاحنة، مما يندرج تحت بند “الفساد”، هو أحد تجليات عمل الحكومات الخفية المحلية، المتماهية، بشكل كامل، مع عمل حكومة العالم الخفية، فالفساد أحد أهم الأسلحة الفتاكة للسيطرة على الجماهير ومصّ دمها، وإبقائها تابعة ذليلة، تلهث وراء رغيف الخبز ولا تدركه.

* حلمي الأسمر كاتب صحفي من الأردن

المصدر: العربي الجديد

مفاتيح: “الحكومة الخفية”، نظام الخلافة، حلمي محمد القاعود، الوحدة الاقتصادية، الاتحاد الأوروبي، أزمات الفساد، الأمة الأميركية، تنظيم الدولة الإسلامية، الرعب والإرهاب، نظام سياسي،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق