وعد بلفور يتمدِّد عربياً

وعد بلفور يتمدِّد عربياً

/ الأربعاء, 08 تشرين2/نوفمبر 2017 19:40

يتذكر بعض العرب وعد بلفور الذي أسس لاحتلال فلسطين، ويرددون العبارة المعروفة التي تقول إن «من لا يملك أعطى من لا يستحق»، وفي الوقت ذاته تتباهى رئيسة وزراء بريطانيا

الحالية بفعلة بلدها التي مرَّ عليها قرن من الزمان، بينما لا يجد العرب الحاليون سوى خطب ودّ المملكة الاستعمارية الآفلة التي أخذت من العرب وأعطت سواهم.
تأسيس الجملة الاستعمارية المستمرة بمفاعيلها، على تاريخها الأول، هو تأريخ راهن بالنسبة للمنطقة العربية، فما كان مؤامرة على هذه المنطقة بعباءة وعد سرّي مكتوب بين حلفاء الحرب العالمية الأولى، صار وعداً معلناً أضاف إليه عرب اليوم السطور الأساسية من نصّه، وذهبوا إلى التمكين لمنطوقه بسياساتهم التي عروتها الوثقى الاستبداد، وركيزتها التبعية وطلب الحماية من الذين أسسوا لـ «بلفور» الأول في الماضي، ويقومون اليوم برعاية وتنفيذ وحماية وتنسيق جهود المشاركين في الوعود «البلفورية» الجديدة، على امتداد التراب الذي ما زال يقول أصحابه إنه تراب عربي!
لقد كان ضرورياً طلب مراجعة شاملة في ذكرى الوعد «المشؤوم»، لكن ذلك ليس متاحاً بعد أن توسعت دائرة الشؤم، وبعد أن صارت فلسطين كلمة عابرة في يوميات عربية تفتقر إلى سياسات عامة راسخة وثابتة.
إذاً، من الواقعي أن يغيب طلب مراجعة عن حدث الماضي، ومن الواقعي أيضاً أن يحضر طلب قراءة الأحداث التي تنذر بخراب عربي كبير، مما تجوز معه المقارنة بين نكبة فلسطين الأولى، وبين نكبات نزلت بالبلدان العربية المعلومة بالصوت والصورة، ولعل غيرها من البلاد ينتظر نكبته، هذا وأهل البلاد هذه «ما بدّلوا تبديلاً».
كما هو معروف، ضاعت فلسطين التاريخية بالاحتلال والاستيطان الكثيف، ولم تعد سابقاً، على رغم كل وعود استعادتها، وهي اليوم أكثر بعداً، هذا من دون الالتفات إلى مطولات الكفاح المسلّح والحنين إلى أيامه، ومن دون إعارة الانتباه إلى الناطقين بـ «الوعود الإلهية»، ومن دون نسيان أن إسرائيل التي قامت فوق تراب فلسطين، سوَّغتها أسطورة وعد إلهي آخر شعب الله المختار.
الاستيطان الذي كان وحيداً في البلاد العربية، أي لا نظير له خارج فلسطين، بات له أشباه في الظروف العربية الراهنة، وصار له أكثر من نسخة تتصل به في بلاد عربية عدة. أشكال الاتصال متباينة، ومواثيقها المعقودة مع بعض الأنظمة العربية تعطي للاستيطان الجديد صفات الاحتلال السياسي، ووقائع الحلول الديموغرافي، ومعطيات إلقاء القبض المادي، العسكري والاقتصادي، وعلى ذلك تترتب منظومة تكبيل الإرادة الوطنية الداخلية، تمهيداً للسعي الدؤوب إلى تهميشها وقذفها إلى دائرة الظلام، وإذا أمكن إغراقها في ظلمة إلغائها.
هو استيطان جديد، واستعمار يتخذ اسم التحالف، وتفكيك للبنى الداخلية العربية يدعي حماية وحدتها، وإقامة آمنة خلف مسمّى النظام الرسمي، وإعادة توزيع مكاسب ومغانم وأراضٍ وأوطان، بين المستوطنين الجدد، أو بين الغزاة الجدد الذين ينفذون خططهم وخرائطهم «البلفورية»، بقوة القانون! وبرعاية الخطاب الرسمي الذي فقد شعبه، واكتفى من بلاده بمقرات رسمية لما كان ذات يوم دولة على طريق التشكل، وعلى طريق ما ادَّعته الشعارية الانقلابية، التي قادت بلادها إلى الخراب الراهن المعلوم.
وإذ يبدو المستقبل العربي قاتماً، وفقاً لكل الحسابات المتوافرة على صعيد الظرفين، الذاتي والموضوعي، يصبح من قبيل دفن الرأس في الرمال ادعاء امتلاك القوة داخلياً، أو توفير الحصانة من جانب القوى الخارجية. في الداخل كما في الخارج، تستوطن عوامل ضعف، وتتجمع عناصر ارتباك وحيرة. داخلياً، تحكي البنية الأهلية العربية سيرتها المتعثرة بطلاقة. خارجياً، تفضح سياسات طلب الاسترحام ماضي وحاضر التبعية العربية، ومع إدراك التبدلات السياسية العالمية، ومع تغيير موازين القوى بين الأقطاب العالميين، صارت كلفة «الرحمة» الخارجية عالية على كل الأصعدة، وفاتورة الشروط باتت فوق ما تستطيعه بنى الدول العربية التي ما زالت مستقرة حتى الآن، وهذا يعني أن رحمة الخارج أو الرأفة بأوضاع من يطلب الرأفة، صارت عبئاً إضافياً على الداخل الذي يرزح أساساً تحت أثقال الخضوع لأكلاف النظام الرسمي العالية.
ولا ينفع وصف الحال كثيراً إذا لم يترافق الوصف مع سياسات الخروج من مأزق واقع الحال. نسرد ما تريده تركيا في سورية والعراق، وما تفعله إيران في سورية والعراق واليمن... وحيث تصل سياساتها التوسعية، ونتأسّى على فلسطين، وبريطانيا تحتفل بذكرى تنظيم سرقة فلسطين، ولا نتوانى عن طلب دعم ذات الـ «بريطانيا» في مواجهة إسرائيل والطامحين الإقليميين الجدد، وبعدها نجلس في صالات الانتظار، أو على مقاعد انتظار نتائج تفصيل المصائر والأقدار... بالتحالف والتنسيق والتواصل مع من كانوا سبباً أساسياً في سوء ماضينا وحاضرنا والمستقبل... وكل وعد بلفور، وبلادنا العربية في منجاة من وعود بلفورية إضافية.

 

أحمد جابر - الحياة

 

(هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع)

Login to post comments

Please publish modules in offcanvas position.