ملفات خاصة

مهمات الرقة السرية.. بي بي سي تكشف تفاصيل الاتفاق الكردي-الداعشي

مهمات الرقة السرية.. بي بي سي تكشف تفاصيل الاتفاق الكردي-الداعشي

/ الأحد, 26 تشرين2/نوفمبر 2017 15:02

كشفت بي بي سي تفاصيل اتفاق سري مكن المئات من مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية وأسرهم من الفرار من مدينة الرقة السورية، تحت أنظار التحالف الذي تقوده

الولايات المتحدة و"قوات سوريا الديمقراطية" التي يهيمن عليها الأكراد و تسيطر على المدينة.
فقد إنطلق من الرقة رتل ضم عددا من كبار قادة التنظيم اضافة الى العشرات من المسلحين الأجانب، وذلك رغم التأكيدات بمنع ذلك. وقد انتشر بعض هؤلاء في مناطق أخرى من سوريا، بينما تمكن آخرون من العبور الى تركيا.
إعتقد سائق الشاحنة أبو فوزي أن رحلته الآتية لن تكون مختلفة عن أي رحلة أخرى.

يقود أبو فوزي شاحنة ومقطورة ذات 18 عجلة في بعض من أخطر المناطق في شمالي سوريا. لم تكن تقف في طريقه الجسور المدمرة ولا رمال الصحراء ولا حتى القوات الحكومية فضلا عن مسلحي الدولة الإسلامية.

ولكن هذه المرة، سيتعين عليه نقل حمولة بشرية. فقد طلبت منه قوات سوريا الديمقراطية - وهي عبارة عن تحالف من المسلحين الأكراد والعرب المناوئين لتنظيم الدولة الإسلامية - أن يقود رتلا ينقل المئات من الأسر النازحة من جراء القتال في مدينة الطبقة الواقعة على نهر الفرات الى مخيم يقع شمالها.

قيل لأبي فوزي إن العملية لن تستغرق أكثر من ست ساعات بأي حال.

ولكن عندما نظم أبو فوزي وزملاؤه من السائقين الرتل في الثاني عشر من تشرين الأول / أكتوبر الماضي، تيقنوا أن ذلك كان محض كذب.

فقد تطلبت المهمة منهم أن يقودوا شاحناتهم في ظروف صعبة لثلاثة أيام وهم يحملون المئات من مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية وأسرهم وأطنانا من الأسلحة والذخائر.

وعد أبو فوزي والعشرات غيره من السائقين بآلاف الدولارات لإتمام المهمة، ولكن على شرط أن يبقى الأمر سرا.

كان الاتفاق القاضي بالسماح لمسلحي تنظيم الدولة بالخروج من الرقة - عاصمة "خلافتهم" في سوريا - قد تم التوصل اليه من قبل مسؤولين محليين. وجاء الاتفاق عقب أربعة شهور من القتال الدامي الذي دمر المدينة وشرد الإغلبية الساحقة من أهلها.

وكان هدف الاتفاق انقاذ أرواح من تبقى من السكان ووضع نهاية للقتال، كما كان الهدف منه المحافظة على أرواح المقاتلين العرب والأكراد المناوئين لتنظيم الدولة الإسلامية.

ولكن الإتفاق سمح أيضا للمئات من مسلحي التنظيم بالهرب من الرقة. في ذلك الوقت، لم يرغب التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ولا قوات سوريا الديمقراطية التي يدعمها التحالف بالاعتراف بدورهم في الاتفاق.

فهل أطلق الاتفاق، الذي يعد "سر الرقة القذر"، تهديدا للعالم الخارجي، وسمح للمتطرفين بالانتشار في بقية مناطق سوريا وخارجها؟

بذل جهد مكثف من أجل اخفاء حيثيات الاتفاق عن العالم، ولكن بي بي سي تحدثت الى العشرات من الناس الذين كانوا أما من ركاب الرتل أو مراقبيه علاوة على اولئك الذين شاركوا في التوصل الى الاتفاق.

خارج المدينة
في باحة يكسو أرضها زيت المحركات في مدينة الطبقة، وفي ظل نخلة، ينهمك ثلاثة صبية في عملهم في إصلاح محرك شاحنة. كان زيت المحركات يغطي الصبية الثلاثة، وكان شعرهم الأسود والمخضب بالزيت واقفا.

تقف الى مقربة منهم مجموعة من السائقين يتوسطهم أبو فوزي بسترته الحمراء الفاقعة. تماثل السترة بلونها لون شاحنته ذات الـ 18 عجلة.

من الواضح أن أبا فوزي هو قائد المجموعة، ولا يتوانى عن دعوة الجميع الى تناول الشاي وتدخين السجائر.

في بداية الأمر، قال أبو فوزي إنه لا يريد التحدث الينا، ولكن سرعان ما غير رأيه.يشعر أبو فوزي وزملاؤه بالغضب. فقد مضت عدة أسابيع منذ خاطروا بحياتهم في رحلة أعطبت محركات شاحناتهم وكسرت محاور عجلاتها ولكنهم لم يتقاضوا أجورهم منذ ذلك الحين.يقول أبو فوزي إن الرحلة كانت عبارة عن الذهاب الى جهنم والعودة منها.

أحد السائقين يرسم طريق الرحلة
أحد السائقين يرسم طريق الرحلة
قال أبو فوزي، "أصابنا الرعب منذ لحظة دخولنا الى الرقة. فقد كان من المفروض أن ندخل المدينة بصحبة قوات سوريا الديمقراطية، ولكننا كنا لوحدنا. وما أن دخلنا المدينة حتى شاهدنا مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية وهم يمتشقون اسلحتهم ويتمنطقون بأحزمة ناسفة. فخخوا شاحناتنا. واذا حصل أي شيء لتخريب الاتفاق كانوا على استعداد لتدمير الرتل عن بكرة أبيه. حتى نساؤهم وأطفالهم كانوا يتمنطقون بأحزمة ناسفة."

وكانت قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد قد أخلت الرقة تماما من مندوبي الإعلام. فلم يكن مسموحا تصوير هروب مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية من المدينة.وقالت قوات سوريا الديمقراطية رسميا إن كل الذين سيسمح لهم بالخروج هم مسلحون محليون، ولكن أحد السائقين أخبرنا بأن ذلك ليس صحيحا.

أخرجنا نحو أربعة آلاف شخص بمن فيهم نسوة وأطفال في شاحناتنا. عندما وصلنا الى الرقة ظننا إننا سنخرج مئتي شخص فقط، ولكني أخرجت في حافلتي فقط 112 شخصا.”

قال سائق آخر إن طول الرتل تراوح بين ستة وسبعة كيلومترات، وكان مكونا من خمسين شاحنة تقريبا اضافة الى 13 حافلة وأكثر من مئة من آليات تنظيم الدولة الإسلامية. وكان عدد من مسلحي التنظيم الملثمين يجلسون بتحد فوق سقوف بعض من هذه الآليات.
أظهرت أشرطة صورت سرا وسربت لنا حافلات تجر مقطورات مليئة بالمسلحين.فبالرغم من أن الاتفاق كان يقضي بألا يصطحب المسلحون معهم الا اسلحتهم الشخصية، جلب مسلحو التنظيم معهم كل الأسلحة التي تمكنوا من حملها.
وكانت عشر شاحنات في الرتل مليئة بالأسلحة والذخائر.

أشار السائقون الى شاحنة بيضاء اللون كانت تخضع للتصليح في احدى زوايا الباحة. قال أبو فوزي، "كسر محورها نتيجة وزن الذخائر التي حملت فيها."
لم تكن العملية إجلاء فحسب، بل خروج جماعي لما يدعى الدولة الإسلامية من الرقة.
لم تكن قوات سوريا الديمقراطية ترغب في أن يصور الانسحاب من الرقة على أنه هرب نحو النصر. فلم يسمح لمسلحي تنظيم الدولة الإسلامية برفع الأعلام واللافتات فوق شاحنات الرتل اثناء مغادرته المدينة حسبما نص الاتفاق.
كما كان مفهوما أن المسلحين الأجانب لن يسمح لهم بمغادرة الرقة وهم أحياء.
كان وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس قد وصف في أيار / مايو الماضي الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية بأنها "حرب إبادة".
وقال ماتيس حينها، "نيتنا الا ينجو المسلحين الأجانب من المعركة ويتمكنون من العودة الى مواطنهم في شمال افريقيا وأمريكا وآسيا وافريقيا عموما. لن نسمح لهم بذلك."
ولكن السائقين قالوا إن المسلحين الأجانب - من غير السوريين والعراقيين - تمكنوا أيضا من الإنضمام الى الرتل.
يقول أحد السائقين:

كان هناك عدد هائل من الأجانب، من فرنسا وتركيا وأذربيجان واليمن والسعودية والصين وتونس ومصر....”

أحد سائقي الرتل
وأكد سائقون آخرون ما ذهب اليه زميلهم، وعددوا جنسيات مختلفة للمسلحين الخارجين من الرقة.
وفي ضوء التحقيق الذي أجرته بي بي سي، اعترف التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة بالدور الذي لعبه في العملية. فقد سمح لمئتين وخمسين من مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية بمغادرة الرقة بمعية 3500 من أفراد أسرهم.
قال الكولونيل رايان ديلون الناطق باسم التحالف الغربي المناوئ لتنظيم الدولة الإسلامية، "لن نكن راغبين بالسماح لأي من هؤلاء بالخروج."
ولكنه مضى للقول، "كان هذا محور استراتيجيتنا، ولكن الأمر كان مرهونا بقرارات الزعامات المحلية. فالسوريون الذين يقاتلون ويقتلون هم الذين اتخذوا القرارات العملياتية."
وأضاف الكولونيل ديلون بأنه رغم حضور ضابط غربي المفاوضات التي افضت الى اتفاق الانسحاب، لم يلعب التحالف الغربي أي "دور فعال" فيها. ولكن ديلون يصر على أن أربعة فقط من المسلحين الأجانب غادروا الرقة وأن هؤلاء الآن رهن الاعتقال من قبل قوات سوريا الديمقراطية.

أسر مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية تستعد لمغادرة الرقة
أسر مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية تستعد لمغادرة الرقة
ومر الرتل عند خروجه من الرقة بحقول القطن والحنطة الواقعة الى الشمال منها، ولكن سرعان ما تغيرت هذه الطبيعة ودخل الرتل في الصحراء. لم تكن الرحلة سهلة بالنسبة للشاحنات، ولكنها كانت أصعب بالنسبة للسائقين.
يرفع أحد أصدقاء أبو فوزي كم سترته ليرينا حروقا أصيب بها وقال، "أنظروا ما فعلوا بي هنا."
قال أبو فوزي إنه كان مع كل من السائقين ثلاثة أو أربعة مسلحين أجانب. وكان هؤلاء يضربون السائقين وينعتوهم "بالكفرة" و"الخنازير."
فبالرغم من أن هؤلاء السائقين كانوا يساعدون مسلحي الدولة الإسلامية على الهرب، كان المسلحون يعتدون عليهم طيلة الوقت حسبما يقولون. كما كانوا يهددونهم.
قال أبو فوزي إن المسلحين قالوا له، "أخبرونا عندما تعيدون بناء الرقة، فسنعود اليها." ومضى للقول، "كانوا مليئين بالتحدي ولم يكونوا يأبهون. إتهمونا بطردهم من الرقة."

وقال أبو فوزي إن مسلحة أجنبية هددته ببندقيتها الكلاشنيكوف.

في الصحراء
ليس هناك الكثير مما يخيف محمود، صاحب متجر في بلدة شانين.
كانت الساعة الرابعة عصرا عندما وصل رتل لقوات سوريا الديمقراطية الى شانين، وأُمر جميع السكان بالتزام دورهم.
قال محمود، "كنا هنا عندما توقفت آلية تابعة لقوات سوريا الديمقراطية وقال لنا ركابها إن اتفاقا للهدنة تم توقيعه بين تلك القوات ومسلحي تنظيم الدولة الإسلامية، وقالوا لنا أيضا إنهم يريدون منا إخلاء المنطقة."
صاحب المتجر محمود ليس من محبي تنظيم الدولة الإسلامية، ولكنه لم يسعه أن يفوت فرصة للتربح، رغم ان بعضا من الزبائن الـ 4000 الذين مروا ببلدته ذلك اليوم كانوا مسلحين تسليحا ثقيلا.

متجر محمود
متجر محمود
بعد أن تعطل سير الرتل جراء اختناق مروري عند جسر صغير، ترجل مسلحو التنظيم من الشاحنات التي كانوا يستقلونها وذهبوا للتبضع. فبعد أشهر من القتال الضاري والاختباء في الخنادق، كان هؤلاء جياعا وشاحبي اللون.
وقال، "طلب مني مسلح تونسي أعور العين أن أخاف الله. وبصوت هادئ سألني عن السبب الذي حدا بي لحلق ذقني. وقال إنهم سيعودون لفرض الشريعة الإسلامية مرة ثانية. قلت له ليست لنا مشاكل مع الشريعة فكلنا مسلمون."
اشترى المسلحون كل ما في المتجر من بضائع، من شعرية الى بسكويت الى الأغذية الجاهزة.
تركوا أسلحتهم خارج المتجر. المشكلة الوحيدة التي واجهها محمود حصلت عندما لاحظ ثلاثة من المسلحين سجائر ضمن البضائع المعروضة للبيع وقاموا بتمزيق علبها.

يقول محمود، "لم يستولوا على أي شيء بالمرة.""لم يسئ التصرف الا ثلاثة مسلحين، وانتقدهم بقية المسلحين وانتقدوهم جراء ذلك"
وقال محمود إن مسلحي الدولة الإسلامية دفعوا ثمن ما أخذوه من متجره.وأضاف قائلا، "كنسوا المتجر كنسا، فلم يبقوا فيه أي شيء. كانت اعدادهم مهولة. سألني العديد منهم عن أسعار السلع، ولكني لم أتمكن من الرد عليهم نظرا لانشغالي بالزبائن الآخرين. لذا تركوا النقود على طاولتي ومضوا."يتفق سائقو الشاحنات بأن مسلحي التنظيم يؤدون ما بذممهم من أموال، رغم الاعتداءات التي عانوا منها على أيديهم.

قد يكون مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية مجرمون معتلون نفسيا، ولكنهم دائما يدفعون المبالغ التي في ذممهم

أبو فوزي
حسبما قال أبو فوزي مبتسما.
تتغير التضاريس الى الشمال من شانين. يقوم جرار واحد بحرث حقل مرسلا عمودا من التراب في السماء يمكن رؤيته من على مسافة عدة أميال.
هناك عدد أقل من القرى في هذه المنطقة، المكان الذي حاول فيه الرتل الاختفاء.

في القرية الصغيرة التي يسكن فيها مهند، هرب الناس عند اقتراب الرتل خشية على دورهم وعلى أرواحهم.
ولكن آليات الرتل انحرفت فجأة نحو اليمين تاركة الطريق العام نحو طريق صحراوي وعر.
قال مهند، "كانت سيارتان من طراز هامفي تقودان الرتل. كانتا تنظمان مرور الرتل ولم تسمحا لأي سيارة بتجاوزهما."
ولكن، وعندما اختفى الرتل في عجاج الصحراء، لم يشعر مهند بأي ارتياح.
قال كل من تكلمنا معه تقريبا إن تنظيم الدولة الإسلامية يهدد بالعودة مجددا، وإن مسلحيه كانوا يشيرون الى ذلك عن طريق التلويح بالذبح.
قال مهند، "عشنا في رعب حقيقي في السنوات الأربع أو الخمس الماضية."

سيتطلب التخلص من هذا الرعب النفسي فترة طويلة. نشعر بأنهم (مسلحو الدولة الإسلامية) سيعودون ليقتصوا منا أو سيرسلون وكلاء مختفين. لسنا متأكدين الى اليوم أنهم ذهبوا الى الأبد.

سمعنا من الكثيرين الساكنين قرب الطريق الذي سلكه الرتل بأنهم سمعوا أزيز طائرات التحالف وطائراته المسيرة في بعض الأحيان وهي تتبع مسار الشاحنات.
قال أبو فوزي إنه رأى هذه الطائرات وهي تحلق فوق الرتل وتلقي قنابل إنارة اضاءت الطريق الذي كان يسير فيه الرتل.

عندما كاد الرتل بكل آلياته أن يعبر، حلقت مقاتلة أمريكية على ارتفاع منخفض جدا والقت قنابل إنارة لإضاءة المنطقة. ارتعب مسلحو الدولة الإسلامية خوفا.

يؤكد التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الآن بأنه كان يراقب الرتل من الجو رغم غياب عناصره على الأرض.
بعد ان تجاوز أبو فوزي ورتله نقطة تفتيش تابعة لقوات سوريا الديمقراطية، وأصبح الرتل داخل الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية، في قرية تقع بين بلدتي مركدة والصور وصل الرتل الى مبتغاه. ولكن الشاحنة التي كان يقودها كانت مليئة بالأعتدة التي كان مسلحو الدولة الإسلامية يريدونها أن تبقى مخفية.
وعندما عاد أبو فوزي الى بر الأمان، سأله عناصر قوات سوريا الديمقراطية عن المكان الذي أفرغ فيه حمولة شاحنته.
وقال، "أوضحنا لهم الموقع على خريطة وقاموا بتأشيره كي يتمكن العم ترامب من قصفه لاحقا."
تم شراء حرية الرقة بالدم والتضحيات والتفاهمات. فقد تكفل الاتفاق بتحرير المدنيين الذين كانوا محاصرين في المدينة كما أنهى القتال فيها، فلم يكن من الضروري أن يموت مقاتلو قوات سوريا الديمقراطية في اقتحام آخر معاقل تنظيم الدولة الإسلامية.
ولكن التنظيم لم يستكن طويلا. فقد انتشر بعض من أكثر عناصره المطلوبين - بعد أن تحرروا من حصار الرقة - في مناطق أخرى من سوريا وخارجها.

المهربون
يقول الرجال الذين تخصصوا في قطع أسلاك الأسيجة وتسلق الجدران والجري من خلال الأنفاق المؤدية الى خارج سوريا إنهم يشهدون زيادة كبيرة في عدد السوريين الذين يرومون الفرار من البلاد. فانهيار الدولة الإسلامية عاد بنفع كبير على تجارتهم.
يقول عماد، وهو مهرب للبشر يعمل عند الحدود السورية التركية، "في الأسبوعين الماضيين، غادرت العديد من الأسر الرقة قاصدة تركيا. ففي هذا الأسبوع لوحده، اشرفت شخصيا على تهريب 20 أسرة."
ومضى للقول، "معظمهم أجانب، ولكن كان بينهم سوريون أيضا."
يطلب عماد مبلغ 600 دولار لتهريب الشخص الواحد، و1500 دولار على الأقل لتهريب الأسرة الواحدة.
في مسألة كهذه، لا يميل المشاركون فيها للتعاون مع الأسئلة الموجهة اليهم. ولكن عماد يقول إن بعضا من الذين تعامل معهم كانوا "فرنسيين وأوروبيين وشيشان وأزبك."
وقال، " بعضهم كانوا يتحدثون بالفرنسية، آخرون بالإنجليزية، ,آخرون يتحدثون بلغات أجنبية أخرى."
يؤكد ما ذهب اليه عماد، وليد، وهو مهرب آخر يعمل في مكان آخر من الحدود السورية التركية.
قال وليد، "لجأت الينا العديد من الأسر في الأسابيع القليلة الماضية. كانت هناك أسر كثيرة العدد تروم عبور الحدود الى تركيا. عملنا هو تهريب هذه الأسر. كان هناك العديد من الأسر الأجنبية التي استفادت من خدماتنا."
ولكن عملية تهريب النازحين اصبحت أكثر صعوبة بعد أن شددت تركيا اجراءات الأمن على حدودها.

نستخدم السلالم في بعض المواقع، وفي مواقع أخرى نعبر الأنهار، وفي أخرى نجتاز طرقا جبلية وعرة. إن الوضع بائس الى أقصى الحدود.

غير أن وليد قال إن الوضع مختلف بالنسبة لكبار قادة تنظيم الدولة الإسلامية.
إذ قال، "هؤلاء الأجانب لهم شبكاتهم الخاصة من المهربين، وهم عادة نفس الأشخاص الذين سهلوا لهم دخولهم الى سوريا أصلا. فهم ينسقون مع بعضهم البعض."

ولكن التهريب لم ينجح في جميع الحالات.. ففي حالة ابو مصعب حذيفة، الذي كان واحدا من أشهر قياديي التنظيم في الرقة، بوصفه رئيسا لجهاز المخابرات التابع للدولة الإسلامية، والذي التحق برتل الخارجين من المدينة في الثاني عشر من تشرين الأول / أكتوبر ، فهو الآن قابع خلف القضبان وقصته تعكس قصة الأيام الأخيرة لدولة الخلافة المتهاوية.
فالدولة الإسلامية لاتتفاوض أبدا. فهي تنظيم إجرامي لا يؤمن بالحلول مطلقا، ويعمل بموجب قواعد وأصول مختلفة تماما عن تلك المتبعة عادة.
أو على الأقل، هذا ما تقوله الأساطير التي حيكت حول التنظيم.

أبو مصعب
أبو مصعب
ولكن في الرقة، تصرف التنظيم كما يتصرف أي طرف خاسر، فقد أجبر مسلحو التنظيم، الذين كانوا مرهقين ويعانون من حصار وقصف جوي متواصل ويخشون على مصائر أسرهم على المجيء الى طاولة المفاوضات في العاشر من تشرين الأول / أكتوبر.
قال أبو مصعب حذيفة، "سلطت الغارات الجوية ضغطا شديدا علينا لعشر ساعات تقريبا. فقد قتلت هذه الغارات خمسمئة أو ستمئة شخص من المقاتلين وأسرهم."
تظهر الصور التي التقطت لغارة جوية للتحالف استهدفت أحد أحياء الرقة في الحادي عشر من تشرين الأول / أكتوبر كارثة إنسانية . فوسط صراخ وعويل الأطفال والنسوة، يبدو على مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية الهلع والتخبط والفوضى.
يدعي ناشطون أن مبنى كان يؤوي 35 إمرأة وطفلا دمر عن بكرة أبيه. كان ذلك كافيا لكسر مقاومة مسلحي التنظيم.

الصور تحتوي على مشاهد مقززة

قال أبو مصعب، "بعد عشر ساعات، انظلقت المفاوضات مجددا. وغير اولئك الذين كانوا يرفضون عقد هدنة آراءهم. وهكذا تركنا الرقة."
كانت هناك ثلاث محاولات سابقة للتوصل الى اتفاق لوقف القتال في الرقة. أما الاتفاق الأخير، فقد تفاوض عليه فريق مكون من أربعة اشخاص منهم مسؤولون من الرقة. وكان شخص شجاع يجتاز خطوط التماس على دراجة نارية لنقل الرسائل بين الطرفين.
قال أبو مصعب، "كان علينا أن نغادر مصطحبين أسلحتنا الشخصية فقط وأن نترك كل أسلحتنا الثقيلة، ولكن لم تكن لدينا أسلحة ثقيلة بأي حال."
كشف أبو مصعب، الذي يقبع الآن في سجن تركي، تفاصيل ما جرى للرتل بعد أن وصل الى بر الأمان في منطقة يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية.
قال إن الرتل توجه الى منطقة ريفية شرقي سوريا على مقربة من الحدود مع العراق.
وقال إن الآلاف تمكنوا من الهرب من الرقة.
تعد محاولة أبو مصعب للهرب من الرقة بمثابة انذار للغرب حول التهديد الذي يشكله الهاربون من تلك المدينة السورية.
فكيف تمكن واحد من أعتى زعماء تنظيم الدولة الإسلامية من الهرب من خلال مناطق يسيطر عليها أعداء التنظيم وكاد أن يتفادى الاعتقال؟
قال أبو مصعب، "بقيت مع مجموعة كانت مصممة على الهرب الى تركيا."
يذكر أن عناصر تنظيم الدولة الإسلامية مطلوبون من جانب كل الدول عدا المنطقة الصغيرة والمنكمشة التي يسيطر عليها التنظيم، مما يعني أن هذا الجمع الصغير من المسلحين كان ينبغي أن يعبر من خلال مناطق شاسعة من الأرض المعادية.
قال أبو مصعب، "استأجرنا أحد المهربين ليدلنا على طريق الخروج من المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية."
سارت العملية على ما يرام أول الأمر. ولكن المهربين قوم لا يمكن الاعتماد عليهم. قال أبو مصعب، "تخلى عنا في منتصف الطريق، وتركنا لوحدنا في منطقة تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية. لذا قررنا أن نفترق وأن يسلك كل منا طريقه الى شاطئ النجاة.
كان بوسع أبو مصعب أن ينجو بنفسه لو استأجر دليلا معتمدا أو سلك طريقا غير ذلك الذي سلكه.
فقد كان بإمكانه التوجه الى إدلب، الواقعة الى الغرب من الرقة التي وجد فيها العديد من مسلحي التنظيم وأسرهم ملاذا.
وتمكن الأجانب الذين التحقوا بالتنظيم من الخروج من الرقة أيضا، بمن فيهم بريطانيون وأوروبيون وآخرون من آسيا الوسطى.
وتتراوح أسعار تهريبهم بين أربعة آلاف دولار للمسلح الواحد وعشرين ألف دولار للأسرة الكبيرة.

مسلح فرنسي
فعلى سبيل المثال، هرب ابو بصير الفرنسي، وهو شاب من فرنسا، من الرقة قبل أن تحتدم المعارك فيها. وهو الآن في إدلب، ويقول إنه يرغب بالمكوث فيها.
يقول أبو بصير إن القتال في الرقة كان عنيفا حتى في الوقت الذي هرب فيه.
وقال، "كنا نقاتل في الخطوط الأمامية بشكل شبه مستمر (ضد القوات الكردية) وكانت حياتنا صعبة. لم نكن نعلم أن الرقة ستخضع لحصار.
قرر أبو بصير، بعد أن خاب أمله وأرهقه القتال المستمر وخوفا على حياته، الهرب من الرقة توخيا للأمان في إدلب التي يعيش فيها الآن.
كان أبو بصير عضوا في مجموعة فرنسية داخل تنظيم الدولة الإسلامية، وقبل مغادرته الرقة أمر رفاقه المسلحين بالقيام بمهمة جديدة.

غادر بعض من الإخوان الفرنسيين من مجموعتنا الى فرنسا لتنفيذ هجمات في ما يدعى يوم الحساب’”

تخفي أطلال الرقة الكثير من الأسرار، والأكاذيب المحيطة باتفاق إخراج مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية كان يمكن أن تدفن في هذه الأطلال هي الأخرى.
كانت الأعداد التي سمح لها بالخروج من الرقة أكبر بكثير مما كان شيوخ القبائل المحليون مستعدون للبوح بها. ومن جانبه، رفض التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة مبدئيا الاعتراف بكل ما ينص عليه الاتفاق.
أما قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد، فما زالت تصر على عدم وجود اتفاق أصلا.
ولم يكن الاتفاق يتعلق باطلاق سراح رهائن مدنيين. ففيما يتعلق الأمر بالتحالف، لم يحصل أي نقل لرهائن من تنظيم الدولة الإسلامية الى أيدي التحالف أو قوات سوريا الديمقراطية.
ورغم نفي التحالف، يقول شهود عيان إن العشرات من المسلحين الأجانب خرجوا من الرقة.
كان الاتفاق القاضي باخراج مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية من الرقة يتعلق أولا بالحفاظ على علاقات طيبة بين الأكراد الذين يقودون المعركة ضد التنظيم من جهة والسكان العرب الذين يحيطون بهم من جهة أخرى.
ويتعلق الاتفاق أيضا بتقليل عدد الخسائر، فتنظيم الدولة الإسلامية كان مستمكنا بقوة في مستشفى الرقة الرئيسي وملعبها، ولذا فإن أي محاولة لطرده كانت ستكون معركة دموية وطويلة الأمد.
للحرب على تنظيم الدولة الإسلامية هدفان، الأول هو القضاء على ما يسمى بدولة الخلافة عن طريق استرداد السيطرة على الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم، أما الثاني فهو منع وقوع الهجمات الارهابية في دول العالم غير العراق وسوريا.
كانت الرقة العاصمة الفعلية لتنظيم الدولة الإسلامية، ولكنها كانت ايضا قفصا يحاصر فيه مسلحو التنظيم.
قد يكون الاتفاق لانقاذ الرقة اتفاقا مجديا، ولكنه سمح أيضا لمسلحي تنظيم الدولة الإسلامية الذين تمرسوا على القتال بالتسرب الى مناطق أخرى في سوريا والى غيرها من البلدان - والعديد من هؤلاء لم يتخلوا عن القتال بعد.

جرى تغيير أسماء كل من ذكروا في التقرير

Login to post comments

Please publish modules in offcanvas position.